آخر الأخبار
مراجعة: شاشة الجحيم، مهرجان Vault ✭✭✭✭
نُشر في
بقلم
تيم هوشسترسر
مشاركة
هيلسكرين
مهرجان فولتس
4 مارس 2015
4 نجوم
لندن مدينة تتراكم فيها طبقات التاريخ والعمارة، وقد أحسن Vaults 2015 خلال الأسابيع الثلاثة الماضية – مرةً أخرى – استغلال واحد من أروع أماكن العرض المسرحي المخفية في قلب العاصمة: متاهة الأقواس والأنفاق تحت محطة ووترلو. إنها لحظة مسرحية بحد ذاتها، أقرب إلى «أليس في غوثام سيتي»، حين تهبط درجاً مجهولاً لتجد نفسك في نفق فيكتوري مغطى بالغرافيتي، مع مُقلِّدي بانكسي منهمكين في تكديس طبقات جديدة فوق عمل اليوم السابق؛ ثم تغوص في ما يبدو كأنه ثقب في الجدار، لكنه في الحقيقة مدخل إلى مركز نابض لمساحات مرنة للعروض والمعارض والضيافة. لعرض هيلسكرين أُدخلنا إلى قبوٍ مقوّس من الطوب، شكلاً ولوناً كقالب خبز زنجبيل داكن، وممتلئ بكتلة من المعدات التقنية ذكّرتني بالمخزن المهجور الكئيب الذي يظهر في The Ipcress File. تسلّم كلٌّ منا مقعداً مرتفعاً من «الكورس» الذي كان يؤدي منذ البداية داخل الشخصية لكسر «الجدار الرابع»، وتموضعنا حول خشبة عرض طولية (Traverse) تتوَّج من الطرفين بستائر من شرائح بلاستيكية شفافة (بيرسبكس). وخلال الثمانين دقيقة التالية انجرفنا إلى تأمّل حارق في الوظيفة الاجتماعية للفن وحدوده، وفي الأدوار الخبيثة والحميدة للرعاة والنقّاد، وفي ما قد يتسلّل إلى أي جمهور من تطفّل بصري وخدرٍ سلبي أمام ما لا يُحتمل.
تنطلق هيلسكرين من قصة قصيرة يابانية كلاسيكية لأكوتاغاوا نُشرت منذ عام 1918. في الأصل يُستأجر رسّام عظيم من راعيه لإنجاز حاجز (شاشة) يصوّر الرؤية البوذية للجحيم. ويكتشف أنه لا يستطيع رسم ما لم يختبره في الحياة إلا عبر تعذيب تلاميذه بوحشية متزايدة. وإلى جانب هذا الموضوع تقوم منافسة بين الراعي والرسّام على ودّ ابنة الرسّام المحبوبة، قبل أن تتقاطع الحبكتان تقاطعاً مميتاً: تموت الابنة في فعلٍ أخير من التطرّف الفني، وينتحر الرسّام، ولا يبقى إلا الحاجز المكتمل المفعم بالرعب.
ينقل مورغان لويد مالكولم ورايتشل باريش النواة الموضوعية والنفسية للقصة بنجاح كبير إلى إطار عالم الفن المعاصر واستكشاف «عبادة الإفراط» فيه. فرانك هولت (جوني وو) فنان معاصر يسعى إلى الصدمة لكنه يبدو وقد بلغ حدوده وخسر جمهوره. فيرتدّ إلى علاقته بابنته آيمي (فانيسا سكوفيلد)، العنصر الوحيد في حياته الذي لم تمسّه السخرية. لكنه يعود إلى العمل ويحقق نجاحاً جديداً غير مسبوق بعد لقائه بالجامِعة والراعية كاثرين بوكر (سوزيت لويلين)، التي تدفعه إلى عبور حدود أبعد في الاستكشاف الفني عبر إعادة تمثيل سلسلة من الفظائع أمام الجمهور، بتصاعدٍ متواصل في الرعب. هذه المشاهد، التي ينفذها كورس من الممثلين بارتجالٍ لافت، تحطم «الجدار الرابع» بصورة حاسمة بإشراكنا في تنفيذ الجرائم. وفي الأثناء تنتزع بوكر آيمي بدهاء من تلك الأحداث كي لا تفرض قيوداً على والدها، وتستأثر بها في ملاذها على الجزيرة لمتابعة نمطها الخاص من التأمل الفني. وفي النهاية تعود آيمي إلى والدها، ثم يُساق كلٌّ منهما بلا رحمة إلى إحراقٍ أخير، عميق الرمزية.
ويُحسب كثيراً لفريق الإنتاج، الذي عمل على هذا الاقتباس لسنوات، أنه نجح في ملامسة هذا العدد من القضايا المهمة والمقلقة بحق. بعضها يتعلق بالفن ذاته: هل تبقّت حدود لما يُعدّ فناً؟ هل الراعي شخصية نبيلة مُيسِّرة أم أنانية مُتلاعبة؟ هل يضحّي الفنانون، على نحوٍ لا مفرّ منه، بأحبّائهم من أجل فنهم؟ وهل لم يعد النقد الفني يعترف بأي قيمة غير الإثارة؟ لكن الأسئلة الأكثر إزعاجاً تتصل بالطريقة التي تُقدَّم بها مشاهد العنف في الإعلام بصورة متزايدة التجميل (aestheticised) وبمدى تعرضنا لها. هل شجّع ذلك على خدرٍ سلبي متطفّل يضعف قدرتنا على التفاعل كمواطنين في الحياة الواقعية؟ وما الاستجابة الملائمة أمام هذا التوسع المستمر في تصوير العنف؟ ومع التذكيرات اليومية المضلِّلة من «داعش» بأن حدود الرعب يمكن فعلاً دفعها إلى أبعد، وبأن التسجيلات تنتشر حول العالم في وقتٍ قياسي، يصعب أن تكون هذه الأسئلة أكثر إلحاحاً.
لذلك لم يكن مفاجئاً أن المشاهد المبنية على محاضر محاكم لجرائم حقيقية هي التي أصابت الجمهور في الصميم، وخلقت تلك اللحظات من الصمت الكامل والتركيز حين تعرف أن الجميع حاضرون في اللحظة وفي جوهر الموضوع. غير أن ذلك لا ينتقص أبداً من جودة التمثيل وقيمة الإنتاج في بقية العمل. وو بارع في إسقاط كثافة خطرة لا يمكن التنبؤ بها بوصفه الفنان المضطرب، فيما تخلق سكوفيلد مركزاً ساكناً لقيم بديلة وجمال، وغالباً ما تستخدم الغناء لتأثير عاطفي قوي. لكن ربما جاء الأداء الأكثر إثارة للاهتمام من لويلين؛ فدوافعها كراعية للفن تظل عصيّة على الإمساك خلف طيفٍ ساحر من الجاذبية وكرم الروح، يتدرج أيضاً إلى تلاعب انتهازي ورغبة في مجدٍ مُستعار. ويغلّف كل مشهد قصير، حوله وداخله، مزيجٌ مبتكر من الموسيقى وإسقاطات الفيديو (على ستائر البيرسبكس) والمؤثرات الصوتية وتدخلات الكورس النشيطة والسلسة؛ وأحدهم يقدّم أيضاً ظهوراً خاطفاً طريفاً وذكياً لناقد فني يُكشف في النهاية عن كونه نسبياً ساذجاً بلا معتقدات راسخة.
ملاحظتي السلبية الوحيدة على هذا العرض الممتاز أنه يضم مادة أكثر مما يسمح به الوقت المتاح. ففي ثمانين دقيقة فقط لا بد من الاختيار بين تطوير الشخصيات ضمن تدفق سردي وبين حوارات حول موضوعات تجريدية مهمة، ولا يوجد وقت كافٍ لإنصاف الأمرين معاً. كان المرء يتمنى وقتاً أطول لنقاش القضايا بتفصيل، ولمنح العلاقات بين الشخصيات – ولا سيما تلك المرتبطة بآيمي – بعداً إضافياً. أحياناً لم تكن المعلومات كافية لتكوين الصورة كاملة، وخصوصاً قرب النهاية، إذ صار ضغط الأحداث وتكثيفها مربكاً. صحيح أن مسرحية أفكار ناجحة لا يلزم أن تكون بطول أو إسهاب Man and Superman المعروضة حالياً في «الناشونال»، لكن إن أتيحت فرصة لإنتاجٍ آخر في مكانٍ ما، فسأحث على إلقاء نظرة ثانية على النص. فجودة الأسئلة المطروحة وأهميتها لا تستحق أقل من ذلك، والوعاء المختار ملائم جداً لنسخة أطول وأكثر تطوراً.
يتيح إعداد الـTraverse لك أن تراقب أفراد الجمهور الآخرين عن قرب، ومن الدال على الجودة الاستفزازية للفكر في هذه الحكاية المعاد تخيّلها أن الثرثرة الكوزموبوليتانية الخفيفة في البداية كانت قد تحولت بحلول النهاية إلى نقاشٍ حيّ لكنه جادّ حول ما شاهدناه، وفوق كل شيء إلى قدرٍ من الحرج المتململ أمام الحقائق غير المريحة التي لمحناها في المرآة المرفوعة لنا. لقد انزعجنا، وكان ذلك في محلّه.
شارك هذا الخبر:
احصل على أفضل عروض المسرح البريطاني مباشرةً في بريدك الإلكتروني
كن الأول للحصول على أفضل التذاكر، العروض الحصرية، وأحدث الأخبار عن مسرح ويست إند.
يمكنك إلغاء الاشتراك في أي وقت. سياسة الخصوصية